Skip to main content

د. سمر الشديفات/التنمّر الوظيفي .. وما أدراك ما التنمّر الوظيفي!

» المشاركة على منصات التواصل الإجتماعي :

د. سمر الشديفات

22.4.2026

التنمّر الوظيفي ينهش كرامة الإنسان ويخون قيم الوطن……

المتنمّر وظيفيًا ضعيفٌ يقتات على كرامة غيره……

معًا لاجتثاث هذا الداء الفتّاك واستئصاله من جسد المؤسسات…

في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة العمل وتتعاظم فيه مسؤوليات المؤسسات، يبرز التنمّر الوظيفي كأحد أخطر التحديات الخفية التي تنخر بيئة العمل بصمت، وتُضعف الإنتاجية، وتُقوّض القيم التي قامت عليها الدولة الحديثة. فالتنمّر الوظيفي ليس مجرد سلوك فردي عابر، بل هو ظاهرة سلبية تحمل في طياتها خللاً عميقًا في الثقافة المؤسسية، وتعبيرا عن غياب العدالة، وافتقار بعض الموظفين المكلفين إدارياً إلى الوعي الإنساني والمهني.

تتجلى خطورة التنمّر الوظيفي في آثاره الممتدة التي لا تقف عند حدود الفرد، بل تتجاوزها لتصيب المؤسسة بكاملها، إذ يولّد بيئة عمل قائمة على الخوف و(الطفس) بدل الإبداع (والتألق)، وعلى الصمت بدل المبادرة وتحقيق رؤى المؤسسة، فتتراجع الكفاءة، وتُهدر الطاقات، ويغيب الانتماء. الموظف الذي يتعرض للإقصاء أو الإهانة أو التهميش، لا يمكن أن يكون منتجا أو مخلصا، بل يصبح مثقلًا نفسيا، فاقدا للدافعية، ما ينعكس سلباً على الأداء العام والإنتاحية، ويهدد استقرار المؤسسة، بل ويطال في النهاية مصلحة الوطن بأسره.

أما أسباب هذه الظاهرة، فهي متعددة ومتشابكة، تبدأ من ضعف الرقابة، وغياب المساءلة، وتمر بثقافة إدارية تقليدية تُقدّس السلطة على حساب الكفاءة، وتنتهي عند بعض الشخصيات التي تعاني من اضطرابات نفسية أو شعور بالنقص، فتُترجم ذلك بسلوكيات عدوانية تجاه الآخرين. وهنا يصبح التنمّر الوظيفي انعكاسًا لأمراض نفسية غير معالجة، تُدار داخل مؤسسات يفترض أن تكون بيئات للعدالة والإنصاف.

وفي السياق الأردني، فإن هذا السلوك يُعد خروجا صريحا عن رؤية الدولة، وتوجهات القيادة الهاشمية التي جعلت كرامة الإنسان محورا أساسيا في بناء المؤسسات. فقد أكد جلالة الملك عبد الله الثاني مرارًا أن الإنسان هو أساس التنمية وغايتها، حيث جاء في التوجيهات الملكية أن الهدف هو “ترسيخ الثقة لدى الإنسان وتقديم الخدمة بطريقة حضارية تعكس قيمنا” ، وهو ما يتنافى جذريًا مع أي ممارسات قائمة على الإهانة أو الإقصاء.

كما شدد جلالته على ضرورة “ضمان أعلى درجة من احترام وحماية حقوق الإنسان” ، وهي رسالة واضحة بأن بيئة العمل يجب أن تقوم على العدالة والمساواة وصون الكرامة الإنسانية. وفي سياق التحديث الإداري، أكد أيضًا أن الوصول إلى إدارة عامة “كفؤة وقادرة على تقديم الخدمات بعدالة ونزاهة” هو نهج يجب أن يلتزم به كل مسؤول ، ما يعني أن أي سلوك تنمّري يُعد خرقًا مباشرًا لهذه الرؤية الوطنية.

إن محاربة التنمّر الوظيفي ليست خيارًا إداريا، بل ضرورة وطنية، تتطلب إرادة حقيقية من القيادات المؤسسية، تبدأ ببناء ثقافة قائمة على الاحترام، وتعزيز قنوات الشكوى الآمنة، وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب بعدالة، ومحاسبة كل من يتطاول على كرامة الفرد في المؤسسة، إلى جانب تدريب الإداريين والموظفين على مهارات التواصل الإنساني والإدارة الحديثة. فالمؤسسات التي تحترم الإنسان، هي وحدها القادرة على صناعة الإنجاز، وتحقيق الاستدامة، وبناء الثقة مع المجتمع.

وبالمحصلة….. فإن التنمّر الوظيفي ليس مجرد سلوك مرفوض أخلاقيًا، بل هو خطر استراتيجي يهدد كفاءة المؤسسات، ويُعيق مسيرة التنمية، ويتناقض مع جوهر الدولة التي أرادها الأردنيون بقيادة هاشمية حكيمة، دولة تقوم على الكرامة، والعدالة، وسيادة القانون. ومن هنا، فإن القضاء على هذه الظاهرة هو مسؤولية جماعية، تبدأ من الفرد، ولا تنتهي عند أعلى هرم في المؤسسة، حفاظًا على إنسان هذا الوطن، وصونًا لمسيرته نحو التقدم والازدهار.
( معًا لاجتثاث هذا الداء الفتّاك واستئصاله من جسد المؤسسة).

بث مباشر SEYAHA FM 102.3 يبث الآن