
حسن الدعجة
21.10.2026
يفتح جمع ملفي التربية والتعليم والتعليم العالي تحت مظلة وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، باباً لمراجعة العلاقة بين مراحل التعليم، بما يتجاوز إعادة تنظيم الهياكل الإدارية.
من أبرز المسائل التي تستحق الطرح، تنسيق التقويم المدرسي والجامعي ضمن إطار وطني موحد، فتكامل المرجعية المؤسسية ينبغي أن ينعكس على السياسات التي تمس حياة الطلبة وأسرهم، وأن يجعل إدارة الزمن التعليمي جزءاً من تطوير المنظومة، لا تفصيلاً إجرائياً تتولاه كل مؤسسة بمعزل عن الأخرى.
التقويم التعليمي ليس مجرد جدول يحدد بداية الدراسة ونهايتها، بل أداة لتنظيم جانب واسع من الحياة الاجتماعية والاقتصادية. فالأسرة التي تضم طالباً مدرسياً وآخر جامعياً تعيش ارتباطاً بمواعيد متعددة، وقد تجد نفسها عاجزة عن التخطيط لإجازة مشتركة أو زيارة عائلية أو نشاط تربوي.
ويتضاعف التعقيد حين يعمل أحد الوالدين في مدرسة والآخر في جامعة، أو عندما يدرس الأبناء في محافظات مختلفة. ومن هنا، تصبح مواءمة الإجازات قضية تتصل باستقرار الأسرة وقدرتها على إدارة وقتها ومواردها.
تقدم التجارب الخليجية نماذج مفيدة لتنظيم الزمن التعليمي؛ ففي السعودية، تتيح القواعد المنظمة للتقويم للجامعات وضع تقاويمها وفق ضوابط وزارة التعليم، مع المحافظة على الإطار الزمني العام المعتمد. وفي الإمارات، تتوافق مواعيد رئيسة في التقويمين المدرسي والجامعي، مع مرونة في بعض تفاصيل الإجازات. أما قطر، فتقدم تجربة مكتملة في التخطيط المسبق بإقرار التقويم المدرسي لعدة أعوام، بما يعزز وضوح المواعيد واستقرارها. وتتيح هذه النماذج للأردن الاستفادة من الجمع بين التنسيق الوطني والمرونة المؤسسية، وصولاً إلى تقويم يراعي احتياجات الأسرة ويحفظ خصوصية المراحل التعليمية.
والمقصود بالتوحيد هنا اعتماد إطار زمني مشترك للمحطات الرئيسة، مع إبقاء المرونة الأكاديمية اللازمة لكل قطاع. فالجامعة تعمل وفق أنظمة الساعات المعتمدة، والتدريب السريري والميداني، والفصول الصيفية، ومتطلبات الدراسات العليا، بينما ترتبط المدرسة بخطط دراسية واحتياجات عمرية وتربوية مختلفة.
لذلك، يمكن البدء بتقريب موعد انطلاق الدراسة، وتحديد فترة مشتركة للعطلة الشتوية، وضمان مساحة متقاطعة من الإجازة الصيفية. ويظل تنظيم الامتحانات والتدريب وبعض البرامج المتخصصة خاضعاً لمتطلبات الجودة والاعتماد، ضمن استثناءات واضحة ومعلنة.
من الناحية الاجتماعية، قد يسهم هذا التنسيق في زيادة الوقت الذي تقضيه الأسرة مجتمعة، ويتيح للوالدين ترتيب إجازاتهما بصورة أكثر قابلية للتوقع. كما يمكن أن يدعم مشاركة الطلبة في الأنشطة الثقافية والتطوعية والرياضية، ويمنح الأسر المقيمة بعيداً عن أماكن دراسة أبنائها فرصاً أفضل للالتقاء. غير أن تقدير هذه المنافع يحتاج إلى استطلاعات وبيانات ميدانية، تشمل الأسر والمعلمين وأعضاء الهيئات التدريسية والطلبة، حتى تستند السياسة المقترحة إلى احتياجات فعلية، وتراعي اختلاف الظروف بين العاصمة والمحافظات والمناطق الأقل خدمة.
اقتصادياً، يمكن لوضوح الإجازات المشتركة وإعلانها مبكراً أن يساعد قطاعات السياحة الداخلية والنقل والخدمات على التخطيط، وأن يتيح للأسر توزيع نفقاتها بصورة أفضل. لكن تزامن العطل قد يرفع الطلب والأسعار ويزيد الضغط على بعض الوجهات والطرق، وهو ما يستلزم معالجة موازية. لذلك ينبغي أن تقترن المواءمة بخطط تشغيل للنقل، وتنويع للأنشطة والوجهات، ومراقبة لأثرها في كلفة الخدمات. فنجاح التقويم لا يقاس بسهولة إعلانه، وإنما بقدرته على تحقيق منافع متوازنة وتجنب نقل أعباء جديدة إلى المواطنين.
أما تربوياً، فإن التنسيق يتيح تنظيم الانتقال من المدرسة إلى الجامعة بصورة أوضح، شريطة معالجة سلسلة الإجراءات المرتبطة بنتائج الثانوية العامة والقبول والتسجيل. فلا يمكن تقريب بداية العام الجامعي من العام المدرسي دون مراجعة هذه المواعيد، وضمان وقت كاف للطلبة لاختيار تخصصاتهم واستكمال متطلبات التحاقهم. كذلك، يجب ألا يؤدي تعديل التقويم إلى اختصار الأسابيع التعليمية أو ضغط الامتحانات أو إضعاف التدريب العملي. فالزمن المشترك وسيلة لتحسين التنظيم، وتبقى جودة التعلم المعيار الحاكم لأي تغيير مؤسسي.
ومن المهم أن يحترم الإطار المقترح استقلال الجامعات في إدارة شؤونها الأكاديمية، وأن يقوم على التشاور والتوافق ضمن الصلاحيات القانونية. كما ينبغي إشراك المدارس ذات البرامج الدولية عند تحديد التطبيق، ومراعاة ارتباطها بامتحانات خارجية. فالتنسيق الناجح يحتاج إلى قواعد مشتركة واستثناءات مبررة، وإلى توزيع للمسؤوليات، حتى لا تتحول المرونة إلى فوضى، أو يتحول التنظيم إلى جمود.
وتقتضي الخطوة العملية تشكيل فريق وطني تشارك فيه الجهات التعليمية المختصة والجامعات الرسمية والخاصة وممثلو المدارس والأسر والطلبة. يبدأ الفريق بمقارنة التقاويم الحالية، وتحديد نقاط التعارض، وحصر البرامج التي تحتاج إلى استثناءات. ثم يطرح بدائل قابلة للنقاش، تتضمن كلفة الانتقال ومزاياه ومخاطره، ويقترح تطبيقاً تدريجياً يبدأ بالإجازات الرئيسة. ومن المفيد نشر تقويم إرشادي لثلاثة أعوام، مع آلية معلنة للتعديل عند الضرورة، بما يمنح المؤسسات والأسر استقراراً تخطيطياً ويحد من القرارات المفاجئة والتباين غير المبرر بين المؤسسات.
ولضمان جدية الإصلاح، ينبغي تقييم التجربة بعد عامها الأول بمؤشرات محددة، منها رضا الأسر، وانتظام الحضور، واستكمال الساعات التعليمية، وسلاسة القبول الجامعي، وأثر التزامن في النقل والأسعار. كما يجب نشر نتائج التقييم وإتاحة تعديل السياسة على أساسها. بهذا المعنى، يقدم توحيد المرجعية التعليمية فرصة مناسبة لبناء تقويم أكثر اتساقاً وعدالة ووضوحاً.
آن الأوان لطرح هذا الملف للنقاش المؤسسي؛ فالأسرة الأردنية تستحق أن ترى أثر الإصلاح في تفاصيل حياتها اليومية، وتكامل التعليم يكتسب معناه حين تتحول هياكله إلى سياسات عملية تخدم الإنسان.










