Skip to main content

العين حسين الحواتمة/الدولة والإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي: من يضع القواعد؟

» المشاركة على منصات التواصل الإجتماعي :

العين حسين الحواتمة

6.10.2026

لم يعد الذكاء الاصطناعي خبراً عن المستقبل، بل صار جزءاً من الحاضر. وظهور ناطق رسمي افتراضي باسم الحكومة ليس سوى بداية طريق، والسؤال الذي يجب أن نطرحه الآن: إلى أين يأخذنا؟ اليوم ناطق افتراضي، وغداً وزير أو سفير أو مدير أو قاضٍ أو طبيب افتراضي، وربما مؤسسات وحكومات افتراضية. قد يبدو ذلك بعيداً، لكنه كان سيبدو أبعد قبل سنوات قليلة؛ فالتكنولوجيا تتحرك أسرع من قدرتنا على تخيّل نتائجها.

 

لا نريد أن نصل متأخرين مرة أخرى

الدول لا تنتظر الأزمة لتستعد لها، و(إعداد الأمة) الذي ارتبط تاريخياً بالحروب والكوارث يجب أن يتسع اليوم لتحوّل يعيد ترتيب العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الإنسان والآلة. وقد تعلّمنا الدرس مع وسائل التواصل الاجتماعي: دخلت التكنولوجيا بسرعة وتأخرت ثقافة استخدامها، فجاء قانون الجرائم الإلكترونية بعد انتشار المشكلات تشريعاً تداركياً. فلماذا نكرر التجربة؟ إذا أخطأ نظام ذكاء اصطناعي تابع لمؤسسة رسمية وألحق ضرراً بمواطن، فمن المسؤول: الموظف، أم المؤسسة، أم الشركة المطوّرة؟ لا يجوز أن تصبح عبارة (الذكاء الاصطناعي أخطأ) بديلاً عن المسؤولية؛ فكل قرار يمسّ المواطن يجب أن تقف وراءه مسؤولية بشرية محددة يمكن مساءلتها. وإن تقبّلنا خطأ موظف افتراضي في معاملة، فكيف بقاضٍ افتراضي يُصدر حكماً، أو مدير افتراضي يقرر مصير موظفين؟ وسيأتي يوم نُسأل فيه: متى يصبح الموظف الافتراضي أو المؤسسة الافتراضية شخصية اعتبارية لها حقوق وعليها التزامات، تُقاضي وتُقاضى؟ وهو سؤال يجب أن يحسمه المشرّع قبل أن يفرضه الواقع.

ويبلغ هذا السؤال أقصى خطورته في الطب. فبعض المختبرات باتت ترسل النتائج إلى المريض مرفقة بتحليل آلي يشرح حالته قبل أن يراه طبيب، وكثير من الأفراد والقطاعات يلجؤون إلى الذكاء الاصطناعي للاستشارة في الأعراض والأدوية والجرعات، فيحصلون على إجابات واثقة بلا ترخيص ولا جهة تُساءل. وقانون المسؤولية الطبية والصحية رقم 25 لسنة 2018 كُتب لعالم يتخذ فيه الإنسان القرار الطبي؛ فمن المسؤول إذا أخذ الطبيب بتوصية خاطئة من النظام، أو طمأنت منصة رسمية مريضاً فتأخر علاجه حتى تفاقمت حالته؟ المطلوب أن يبقى القرار الطبي النهائي بيد طبيب مرخّص، وألا يُعتمد أي نظام قبل اختباره على بيانات محلية، وأن يوضّح كل مختبر أن تحليله الآلي لا يغني عن الطبيب، وأن يُراجَع القانون قبل أن تجيب عنه أول قضية أمام المحاكم. والأخطر من الخطأ اهتزاز الثقة. فماذا لو ظهر حساب يقلّد صوت مسؤول وصورته، أو يتحدث باسم مؤسسة أو مستشفى ولا علاقة له بهما؟ هذا يستدعي هوية رقمية موثوقة للجهات والشخصيات الافتراضية الرسمية، وتشريعات تجيب عن أسئلة لم تعرفها كتب القانون، كالإساءة إلى شخصية افتراضية تمثّل مؤسسة، أو المحتوى المضلّل الذي ينتشر عنها.

بث مباشر SEYAHA FM 102.3 يبث الآن