Skip to main content

تماثيل عين غزال

» المشاركة على منصات التواصل الإجتماعي :

8 آذار (سياحة)-  تُعدّ تماثيل عين غزال من أهم وأندر الاكتشافات الأثرية في منطقة الشرق الأوسط، بل ومن أقدم النماذج المعروفة للنحت البشري بالحجم الكبير في التاريخ الإنساني. وقد اكتُشفت في موقع عين غزال الأثري في العاصمة الأردنية عمّان خلال عامي 1983 و1985، حيث عُثر على 15 تمثالاً كاملاً و15 تمثالاً نصفياً مدفونة في مخبأين تحت الأرض، يفصل بينهما زمن يقارب 200 عام. ويعود تاريخ هذه التماثيل إلى نحو 7200–6250 قبل الميلاد، أي إلى العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار (المرحلة ب أو ج)، ما يجعلها شاهداً فريداً على بدايات الفن والرمزية في المجتمعات الزراعية الأولى.

طريقة الصناعة والمواد المستخدمة

صُنعت التماثيل من الجص الجيري المشكَّل فوق هياكل من القصب. وكان الحجر الجيري يُسخَّن في درجات حرارة عالية (بين 600 و900 درجة مئوية) لإنتاج الجير، ثم يُخلط بالماء لتكوين عجينة تُشكَّل يدويًا فوق حزم القصب التي جُمعت وربطت لتكوين الجسم والرأس والأطراف. ومع مرور الزمن تحلل القصب، وبقيت القوالب الجصية مجوّفة من الداخل. وتدل هذه التقنية على معرفة متقدمة بخصائص المواد وعمليات الحرق والبناء، وهو ما يعكس تطوراً تقنياً مبكراً لدى سكان المنطقة.

السمات الشكلية والفنية

تنقسم التماثيل إلى نوعين: تماثيل كاملة وأخرى نصفية، وبعض النصفية جاءت برأسين، وهو عنصر فني لافت يثير تساؤلات حول رمزيته. وتميّزت الوجوه بعناية واضحة في التفاصيل؛ إذ صُممت العيون بشكل واسع، وحددت القزحية بمادة القار (البيتومين)، ما أضفى عليها مظهراً حياً ومعبّراً. أما الأجساد فجاءت مسطّحة نسبياً وبسماكة تقارب 10 سم، ويبلغ ارتفاع أطولها نحو متر واحد، أي أقل من الحجم الطبيعي للإنسان. ولم تُبرز التماثيل تفاصيل تشريحية دقيقة باستثناء الوجه، كما خلت من إظهار الأعضاء التناسلية، ما يرجّح أن الهدف لم يكن واقعياً بقدر ما كان رمزياً أو طقسياً.

الدلالات والوظيفة المحتملة

لا يزال الهدف الحقيقي من صناعة هذه التماثيل محل نقاش بين علماء الآثار. ويعتقد بعضهم أنها ارتبطت بطقوس دينية أو شعائر جنائزية، خاصة أنها وُجدت مدفونة بعناية وفي حالة حفظ جيدة، ما يشير إلى أنها ربما صُنعت خصيصاً للدفن ولم تكن معدّة للعرض الطويل. ويرى آخرون أنها قد تمثل رموزاً لأسلاف أو شخصيات ذات مكانة روحية في المجتمع، في ظل التحولات الكبرى التي شهدها الإنسان آنذاك مع الاستقرار الزراعي وبداية تشكيل المجتمعات المنظمة.

مكانتها اليوم

تُعرض تماثيل عين غزال حالياً في متحف الأردن، كما يُعرض بعضها في متحف الآثار الأردني في قلعة عمّان، فيما أُعيرت تماثيل وأجزاء منها إلى متاحف عالمية مثل متحف اللوفر والمتحف البريطاني ومتحف اللوفر أبوظبي، ما يعكس أهميتها العالمية وقيمتها الحضارية.

وبذلك تمثل تماثيل عين غزال دليلاً مادياً نادراً على بدايات التعبير الفني والرمزي لدى الإنسان قبل نحو تسعة آلاف عام، وتؤكد أن أرض الأردن كانت موطناً لحضارات مبكرة امتلكت وعياً فنياً وروحياً متقدماً في فجر التاريخ.

 

بث مباشر SEYAHA FM 102.3 يبث الآن