Skip to main content

القردة في الإمبراطورية الرومانية: العظام تتكلّم

» المشاركة على منصات التواصل الإجتماعي :

27 ديسمبر – لم يكن الكلب وحده رفيق الإنسان في العالم الروماني القديم، كما درجت الصورة الشائعة في كتب التاريخ؛ فالاكتشافات الأثرية الحديثة تُظهر جانباً أقل حضوراً في السرديات الكلاسيكية. فالقردة، بوصفها حيوانات أليفة، كانت جزءاً من الحياة اليومية لبعض الرومان، بل لعلّها رمزاً للمكانة والوجاهة الاجتماعية.

هذا ما تذهب إليه دراسة حديثة نُشرت في Journal of Roman Archaeology، اعتمدت على حفريات غير مسبوقة في ميناء برنيس الروماني القديم. يقع هذا الميناء على الساحل الغربي للبحر الأحمر في جنوب شرق مصر، وكان محطةً أساسيةً للتجارة بين الإمبراطورية الرومانية والهند عبر المحيط الهندي، ومعبراً للبضائع القادمة من الشرق إلى العالم المتوسطي.

الدراسة، التي قادها فريق من علماء الآثار البولنديين، تسلّط الضوء على عشرات المدافن الحيوانية التي تعود إلى الفترة بين القرن الأول والثاني الميلاديين. المفاجأة لا تكمن فقط في عدد القردة المدفونة، بل في أصولها أيضاً. فخلافاً للاعتقاد السائد بأن القردة التي عرفها الرومان جاءت من شمال أفريقيا، تُظهر التحاليل العظمية أن هذه القردة تنتمي إلى فصائل هندية، ما يفتح الباب أمام إعادة تقييم حجم التبادل وطبيعته بين الإمبراطورية الرومانية وشبه القارة الهندية.

يقع ميناء برنيس في موقعٍ استراتيجي جعله حلقة وصل رئيسية بين البحر المتوسط والمحيط الهندي. ومن هذا الميناء، كانت البضائع الآتية من الهند وشرق أفريقيا، من توابل وأقمشة وأحجار كريمة وعاج، تُنقل عبر البحر الأحمر ثم إلى داخل الأراضي الرومانية. غير أن ما تكشفه هذه الدراسة هو أن التجارة لم تكن مقتصرة على السلع الجامدة، بل شملت أيضاً الحيوانات الحية، التي انتقلت إلى مسافات شاسعة بوصفها كائنات للعرض أو الرفقة.

المدافن المكتشفة لا تشبه مقابر الحيوانات التي تُستخدم للتخلص من الجثث، بل تشير بوضوح إلى طقوس دفن متعمدة. فقد وُضعت القردة في حفر فردية، بعضها مزوّد بقلادات، ودُفنت إلى جوار كلاب وقطط، ما يعزّز فرضية أنها كانت حيوانات أليفة. والأغرب أن بعض المدافن احتوت على هياكل عظمية لصغار خنازير أو قطط، في مشهد يوحي بأنها قد حظيت برعاية خاصة داخل فضاء منزلي.

هذا الاكتشاف يفرض سؤالاً حول هوية من اقتنى هذه الحيوانات الغريبة. تشير الدراسة إلى أن الجنود الرومان، خصوصاً الضباط المتمركزين في برنيس، كانوا من بين أبرز مالكي القردة. فهذه المدينة لم تكن مجرد ميناء تجاري، بل قاعدةً عسكريةً أيضاً، استقر فيها أفراد من فيالق رومانية أُرسلت إلى أطراف الإمبراطورية. امتلاك قرد قادم من الهند لم يكن مجرد نزوة، بل دليلٌ على السفر، وربما علامة تميّز داخل الوسط العسكري.

تعزّز هذه الفرضية شواهد أخرى من أقاليم رومانية بعيدة، مثل بلاد الغال، حيث عُثر على بقايا قردة مدفونة بين أطلال سكنية مرتبطة بالنخب المحلية، ما يشير إلى أن القردة لم تكن حيوانات ترفيهية فحسب، بل اكتسبت بُعداً رمزياً، بوصفها كائنات وافدة تحمل دلالة على الانفتاح على العالم الأوسع.

ورغم أن وجود القردة في المخيلة المتوسطية ليس جديداً تماماً، تضيف الدراسة بعداً زمنياً وجغرافياً أدقّ. فمنذ الألفية الثالثة قبل الميلاد تقريباً، عُرفت القردة بوصفها حيوانات للزينة أو الرفقة. وفي العالم الروماني، ترد إشارات متفرقة في عدد من النصوص إلى وجود القردة في المنازل. كما تظهر في نقوش ونُصُب فنية في بعض المدن، إذ تبدو حاضرة في الفضاءات التجارية، أشبه بما تمثله القطط اليوم في بعض المتاجر.

لكن الجديد هنا أن العظام نفسها تتكلّم. فالفحوص الأنثروبولوجية تكشف أن هذه القردة لم تُجلب للعرض المؤقت، بل عاشت حياةً طويلةً نسبياً، وتلقت رعايةً واضحة، قبل أن تُدفن بعناية، ما يمنح الدراسة بعداً إنسانياً يتجاوز الاقتصاد إلى أنماط العيش والعاطفة.

في السياق الأوسع، ينسجم هذا الاكتشاف مع توجه حديث في الدراسات التاريخية يعيد النظر في صورة العالم القديم بوصفه عالماً معزولاً أو بطيء الحركة. فشبكات التجارة عبر المحيط الهندي، كما يُظهر باحثون معاصرون، لم تكن هامشية، بل شكّلت شرايين أساسية لنقل السلع والأفكار والأشخاص. القردة المدفونة في برنيس قد تبدو تفصيلاً طريفاً، لكنها تقدّم دليلاً مادياً على هذا الترابط العالمي المبكر. وهكذا، لا تعود هذه الهياكل العظمية مجرد بقايا حيوانات، بل شواهد صامتة على عالمٍ قديمٍ أعقد وأكثر تشابكاً مما نتخيّل.

بث مباشر SEYAHA FM 102.3 يبث الآن