
3 تموز (سياحة) – نجح باحثون في تفسير لغز تجمد القارة القطبية الجنوبية قبل القطب الشمالي بـ25 مليون عام، رغم أن كلاهما كان دافئًا في الماضي, وجاء هذا الاكتشاف بعد دراسة تضاريس القارة الجنوبية واستخدام محاكاة حاسوبية لأطوار تطور سطحها على مر ملايين السنين، وهي القارة التي يغطيها الجليد اليوم بسمك خمسة كيلومترات منذ تجمدها الأول قبل 34 مليون عام.
وتوصلت الدراسة إلى أن عملية جيولوجية قوية أدت إلى الارتفاع المستمر لسلسلة جبلية في شرق أنتاركتيكا، حتى تجاوزت في نهاية المطاف مستوى حرجًا سمح بتشكل الأنهار الجليدية الجبلية واتساعها، ومن ثم ترسخ الغطاء الجليدي الدائم, وترتب على ذلك نشوء الغطاء الجليدي الضخم في شرق أنتاركتيكا في وقت كانت فيه درجات الحرارة العالمية أعلى بنحو خمس درجات مئوية عن مستوياتها الحالية.
تشير الشواهد الجيولوجية إلى أن تشكّل الغطاء الجليدي في القطب الجنوبي قد سبق تاريخيًا الشتاء العالمي الذي أدى لاحقًا لتجمد القطب الشمالي، حيث استقر الغطاء الجليدي لشرق أنتاركتيكا مع بداية عصر الأوليجوسين عقب انتهاء عصر الإيوسين, وتاريخيًا، كانت أنتاركتيكا تمثل جزءًا من الكتلة القارية الجنوبية الكبرى المعروفة باسم “جوندوانا”، التي ضمت كتل اليابسة المشكّلة حاليًا لكل من أفريقيا، وأمريكا الجنوبية، وأستراليا، وشبه الجزيرة العربية، وشبه القارة الهندية، قبل أن تنفصل هذه الكتل وتنزاح إلى إحداثياتها الجغرافية الحالية نتيجة لحركة الصفائح التكتونية عبر العصور الجيولوجية.
وبينت الدراسة، المنشورة في دورية ساينس، أن عملية جيولوجية قديمة بدأت قبل أكثر من 160 مليون عام خلال انفصال أفريقيا عن أنتاركتيكا، واستمرت على مدى عشرات الملايين من السنين، هي التي حددت متى وأين أمكن للصفائح الجليدية الكبرى على الأرض أن تتشكل خلال الفترة الانتقالية بين عصري الإيوسين والأوليجوسين قبل نحو 34 مليون عام, وشهدت هذه الفترة الانتقال من مناخ الأرض الدافئ الشبيه “بالصوبة الزجاجية” إلى المرحلة الأكثر برودة التي يعيشها الكوكب حاليًا, وبقيت أنتاركتيكا متصلة بأستراليا وأمريكا الجنوبية عشرات الملايين من السنين بعد انفصالها عن أفريقيا، قبل أن تنفصل عنهما أيضًا فيما بعد.
وتتمثل هذه العملية الجيولوجية فيما يعرف باسم “أمواج الوشاح الأرضي”، وهي اضطرابات بطيئة الحركة تنشأ في أعماق الأرض وتحدث أثناء تفكك القارات وانفصالها, وعندما تحركت هذه الأمواج في الوشاح الأرضي أسفل القارة القطبية الجنوبية، تسببت في تشكل هضبة واسعة تعلوها جبال جامبورتسيف، وهي سلسلة جبلية تقع في الجزء الأوسط من شرق أنتاركتيكا, ورغم أن ارتفاع هذه الجبال يصل إلى نحو 3390 مترًا، فإنها باتت اليوم مدفونة تحت أكبر غطاء جليدي على وجه الأرض.
وأشار باحثون إلى أن عوامل التعرية والارتفاع الأرضي الناتج عن أمواج الوشاح رفعت التضاريس تدريجيًا إلى مستويات كافية لاستقرار الجليد، حتى في ظل مناخ عالمي أكثر دفئًا من الوقت الحاضر، وهو ما يسلط الضوء على التفاعل بين التغيرات المناخية وتغير التضاريس.
وبحلول نهاية حقبة الإيوسين، كان الارتفاع اللازم لتكوين غطاء جليدي دائم في أنتاركتيكا يتراوح بين 1.5 وكيلومترين فوق سطح البحر, وأظهرت نماذج الدراسة أن مساحات واسعة من شرق القارة القطبية الجنوبية تجاوزت هذا المستوى قبل نحو 45 مليون عام مضت, وتنخفض درجات الحرارة كلما صعدنًا إلى قمة جبل مرتفع، فإن المناطق الأعلى ارتفاعا تكون أكثر قدرة على الاحتفاظ بالثلوج طوال العام.
وقد تبين قبل اكتساء أنتاركتيكا بالجليد، اتسعت مساحة جبال جامبورتسيف الواقعة فوق المستوى الحرج اللازم لاستدامة الجليد بشكل كبير، وقبل نحو 34 مليون عام مضت كان قرابة 90% من المنطقة قد تجاوز هذا المستوى، مقارنة بنحو الثلث فقط قبل 60 مليون عام.
وشهدت الأنهار الجليدية تمددًا وانحسارًا خلال خمسين مليون سنة ماضية، لكن الصفائح الجليدية الكبيرة لم تستقر هناك إلا قبل أقل من 10 ملايين عام, ويعود ذلك إلى أن القطب الشمالي لا يضم كتلة يابسة فعلية، إذ يقع في وسط المحيط المتجمد الشمالي، ما يعني عدم وجود تضاريس مرتفعة يمكنها بلوغ العتبة اللازمة في وقت سابق لتكوين جليد دائم, وكان من الضروري أن يصبح المناخ أكثر برودة نتيجة انخفاض تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي قبل أن يتشكل الجليد الدائم على ارتفاعات منخفضة.
–العربية










