
22 فبراير (سياحة) –يمثل التراث الشفهي في المملكة العربية السعودية خزّاناً حياً للذاكرة الوطنية، إذ حفظ عبر القرون تفاصيل الحياة الاجتماعية، وسجّل تحولات المجتمع، ونقل سرديات التأسيس والوحدة والاستقرار من جيل إلى جيل. ولم يكن هذا التراث مجرد حكايات تُروى في المجالس أو قصائد تتناقلها الألسن، بل كان وعاءً للقيم، ومرآةً للهوية، وسجلاً موازياً للوثيقة المكتوبة، يضيء جوانب قد لا تلتقطها المدونات الرسمية. فمن خلال الروايات الشفهية تبرز صور الحياة اليومية، وأنماط العيش، والعلاقات الاجتماعية، وأدوار الرجال والنساء في بناء المجتمع، بما يمنح التاريخ بعده الإنساني العميق.
ومع تطور الدولة الحديثة وتعاظم دور مؤسساتها الثقافية والعلمية، لم يعد التحدي مقتصراً على جمع الروايات وحفظها، بل بات يتمثل في إدارتها ضمن مشروع وطني متكامل يحولها من مادة محفوظة إلى معرفة منتجة. فالأرشفة المؤسسية، والتصنيف العلمي، وربط الروايات ببياناتها الوصفية الدقيقة، وإتاحتها ضمن منصات رقمية آمنة تراعي الخصوصية والحقوق، كلها خطوات كفيلة بنقل الذاكرة الشفهية من إطارها التقليدي إلى فضاء معرفي أوسع يخدم الباحثين وصناع القرار والأجيال الجديدة على حد سواء.
إن الاستثمار في التاريخ الشفهي لا يعني الوقوف عند حدود الحنين إلى الماضي، بل توظيف هذا الماضي في تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ سردية متوازنة تعكس التعدد والتنوع داخل المجتمع السعودي. ومن خلال تبني معايير علمية دقيقة، والاستفادة من أدوات التحليل الرقمي والذكاء الاصطناعي لاستخراج الأنماط والدلالات، يمكن تحويل الروايات الشفهية إلى قاعدة بيانات استراتيجية تسهم في فهم التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية، وتدعم صناعة السياسات الثقافية والتعليمية.
وبذلك تغدو الذاكرة الشفهية ركيزةً لإدارة المعرفة الوطنية في العصر الرقمي، لا مجرد أرشيف محفوظ، بل منظومة حية تعزز استدامة الهوية، وتعمّق الوعي بالتاريخ، وتربط الماضي بالحاضر في إطار رؤية مستقبلية واعية.










