
9/3/2026
تعرضت نحو ألف سفينة في الخليج وخليج عُمان لتشويش أو أعطال في إشارات الملاحة منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، ويُرجَّح أن يعود ذلك إلى اعتماد العديد منها على أجهزة لنظام تحديد المواقع العالمي “جي بي إس” أقل تطورا من تلك الموجودة في الهواتف المحمولة الحديثة.
وحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية، فقد أصبحت هذه السفن عاجزة عن تحديد مواقعها، وفق ما ذكر ديميتريس أمباتزيديس، المحلل في شركة “كبلر”، التي تمتلك هوائيات حول العالم لمراقبة حركة الملاحة البحرية.
وأشار إلى أن نحو نصف السفن في المنطقة، التي يبلغ عددها 2000 سفينة، تعرضت للتشويش، وكانت الغالبية العظمى منها قبالة سواحل الامارات وعُمان، ويعمل نظام تحديد المواقع عبر شبكة من الأقمار الاصطناعية ترسل إشارات زمنية إلى الأرض، ليتمكن جهاز الاستقبال من تحديد الموقع بدقة.
الهواتف مقابل السفن
في المقابل، يستقبل الهاتف الذكي الحديث إشارات من 4 مجموعات رئيسية من الأقمار الاصطناعية: 31 قمرا تابعا لنظام تحديد المواقع العالمي “جي بي إس” الأمريكي، بالإضافة إلى أقمار أنظمة غاليليو الأوروبية، وغلوناس الروسية، وبيدو الصينية، ويستخدم معظم هذه الهواتف نطاقين تردديين لـ”جي بي إس”، أحدهما قديم وأضعف، والآخر أحدث وأكثر قوة.
وأوضح تود همفريز، أستاذ في جامعة تكساس في أوستن، أن معظم هذه السفن تعتمد فقط على إشارة النظام المدني الأصلي لنظام تحديد المواقع العالمي، والمعروفة باسم “إل1 سي/إيه” (L1 C/A) والتي تعود إلى مطلع التسعينيات، وبناء عليه، لا تستطيع العديد من السفن التحول إلى نظامي بيدو أو غاليليو إذا تعرضت إشارات نظامها للتشويش.
وأوضحت كاثرين دان، مؤلفة كتاب “ليتل بلو سبوت” (النقطة الزرقاء الصغيرة) المرتقب صدوره، والذي يتناول تاريخ نظام “جي بي إس”، أن التشويش على هذا النظام سهل، وأضافت أن ذلك يتطلب جهاز إرسال لاسلكي يبث على نفس التردد لكن بقوة أكبر.
كما أشارت إلى تقنية أكثر خطورة، تُعرف بـ”التلاعب”، التي تؤثر مباشرة على نظام التعريف الآلي للسفن “إيه آي إس” (AIS).
وترسل السفن كل ثانية إشارة على تردد لاسلكي عالمي، تكشف فيها عن هويتها وموقعها ووجهتها، ويستغل هذا النظام للتلاعب، بحيث ترسل السفينة موقعا خاطئا أو حتى غير واقعي، وقد تظهر سفن الحاويات على اليابسة في حين أنها واقعيا في البحر.
تشويش الملاحة
وأوضحت كاثرين دان أن نظام “جي بي إس” لا يقتصر دوره على تحديد الموقع فحسب، بل يشغل أيضا الساعات والرادارات ومقاييس السرعة على متن السفن، وحتى إذا تم تأمين السفن العالقة قبالة الامارات والكويت وحمايتها من الطائرات المسيّرة أثناء عبورها مضيق هرمز فإن الملاحة ستظل محفوفة بالمخاطر من دون هذا النظام.
وأشار قبطان تجاري إلى أن حجم السفن يجعل استخدام الوسائل الإلكترونية أمرا ضروريا للتحكم بها، وأوضح، أن الطواقم تضطر حاليا للاعتماد على أدوات من القرن الـ20، مثل الرادار والمعالم البارزة.
ويلجأ المتأثرون جراء النزاعات والحروب إلى استخدام التشويش -خصوصا الموجودين في مواقع دفاعية إستراتيجية- ففي دول الخليج، تم توجيه أنظمة الدفاع نحو السواحل لمواجهة الطائرات المسيّرة التي تطلقها ايران والموجهة عبر الأقمار الصناعية، وهو ما يؤدي في الوقت نفسه إلى اضطرابات وتشويش في إشارات نظام “جي بي إس” المستخدم للملاحة البحرية والجوية.
واتخذت اسرائيل خطوات مشابهة في عام 2024 لتعطيل إشارات الملاحة أثناء صراعاتها الإقليمية، كما لجأت إيران إلى أساليب مماثلة بعد الحرب مع تل ابيب منتصف عام 2025.
وقال تود همفريز، الباحث في جامعة تكساس، إن “التشويش أو التلاعب بالإشارات يؤثر على الملاحة الجوية والبحرية، وحتى على سائقي سيارات الأجرة وتطبيقات الهواتف الذكية، إلا أن الأنظمة تظل موثوقا بها ويتم الاعتماد عليها، تماما كما حدث مع إسرائيل خلال عام 2024”.
وفي سياق التطوير التكنولوجي، تعمل شركات ناشئة على إيجاد تقنيات بديلة للملاحة البحرية والجوية، غير أن تمكين الأساطيل الحالية من الإبحار بأمان دون الاعتماد على نظام “جي بي إس” لا يزال تحديا بعيد المنال في الوقت الحالي.










