Skip to main content

قصب السكر موروث متجذر يستوي عشاقه

» المشاركة على منصات التواصل الإجتماعي :

3 يناير – على ضفاف النيل يقف قصب السكر شاهدًا على صبر الفلاح وحكاية الأرض، ليس مجرد محصول بل موروثٌ متجذر في منطقة الصعيد بجمهورية مصر العربية، ارتبط بالمواسم والفرح والعمل الدؤوب، ومع الحصاد تتحول الحقول إلى عيدٍ أخضر، يجني فيه المزارع ثمار عامٍ كامل من الانتظار.
ويحتل محصول قصب السكر مكانة تاريخية واجتماعية راسخة، إذ ينتظر المزارعون موسم حصاده سنويًا بوصفه حدثًا اقتصاديًا واجتماعيًا بارزًا، يُجسّد حصاد جهد عام كامل، ويُعرف شعبيًا بـ”عيد الفلاح”.
وتُعد محافظات قنا والأقصر وأسوان من أكثر المناطق إنتاجًا لقصب السكر في مصر، مستفيدة من طبيعة بيئية ومناخية ملائمة تسهم في رفع إنتاجية الفدان مقارنة بمناطق أخرى، وتُقدَّر المساحات المزروعة بقصب السكر بنحو (300) إلى (350) ألف فدان، بإنتاج سنوي يتراوح بين (15) و(17) مليون طن.
وتتنوع أصناف القصب بين أصناف محلية مثل “قبلي 70″، وأخرى أجنبية مثل “ROC10″، ويسعى بعض المزارعين إلى التحول للأصناف الأعلى إنتاجية، رغم ارتفاع تكلفتها، وسط مخاوف من تراجع زراعة الأصناف المحلية.
ولا تقتصر أهمية قصب السكر على إنتاج السكر فقط، بل تمتد إلى الصناعات التكميلية، مثل العسل الأسود والمولاس والخشب الحبيبي والأعلاف، ما يوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لآلاف العاملين في مختلف مراحل الزراعة والتصنيع.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يُعد سعر توريد قصب السكر أحد العوامل المؤثرة في الجدوى الإنتاجية للمحصول، إذ يرتبط العائد النهائي للمزارع بمتوسط إنتاجية الفدان، التي تتراوح في العادة بين (40) و(50) طنًا وفق طبيعة الأرض والصنف المزروع، إلى جانب تكاليف الري وطول الدورة الزراعية وأسعار مستلزمات الإنتاج.
وفي المقابل، تواجه زراعة القصب تحديات متزايدة، أبرزها الاستهلاك المرتفع للمياه، والتغيرات المناخية، وانخفاض أسعار التوريد في بعض المواسم، والاعتماد على وسائل زراعية تقليدية، ما يؤثر على قرارات التوسع في زراعته.
وتُعد استدامة زراعة قصب السكر من القضايا المحورية المرتبطة بهذه التحديات، إذ يتطلب المحصول كميات وفيرة من مياه الري العذبة المنتظمة، ما يجعل الأراضي الطينية الثقيلة في وادي النيل وصعيد مصر من أكثر البيئات ملاءمة لزراعته، لقدرتها على الاحتفاظ بالمياه والعناصر الغذائية، في حين تواجه زراعته في المناطق الجبلية أو ذات التربة الخفيفة صعوبات أكبر، بسبب سرعة فقدان المياه وضعف الخصوبة، وهو ما ينعكس على انخفاض الإنتاجية وارتفاع تكاليف الزراعة.
ويمثل موسم حصاد قصب السكر مصدر دخل رئيسيًا لآلاف الأسر في صعيد مصر، وتتوارث زراعته أجيال متعاقبة، ما يمنحه بعدًا اجتماعيًا وثقافيًا إلى جانب أهميته الاقتصادية، وتتحول مناطق الحصاد إلى ساحات عمل جماعي تعكس روح التعاون والتكافل.
وعلى صعيد الصناعة، تعتمد مصانع السكر في الصعيد بشكل أساسي على محصول القصب، إلى جانب الاستفادة من نواتجه الثانوية مثل المولاس (وهو ناتج ثانوي يُستخدم في الصناعات الغذائية والدوائية)، والباجاس (وهي بقايا عصر القصب التي تُستغل في إنتاج الطاقة والأعلاف والورق)، ما يعزز القيمة المضافة للمحصول ويزيد من مساهمته في الاقتصاد المحلي.
وفي ظل التحديات المائية، تتجه الجهود إلى تشجيع نظم الري الحديثة، والتوسع في زراعة الأصناف الأعلى إنتاجية والأقل استهلاكًا للمياه، مع العمل على تحقيق توازن بين استدامة زراعة قصب السكر والتوسع في زراعة بنجر السكر، إلى جانب تحديث مصانع السكر ورفع كفاءتها، بما يسهم في الحفاظ على هذا المحصول الإستراتيجي.
وفي تصريح خاص لوكالة الأنباء السعودية، أوضح المتخصص في الشؤون الزراعية المهندس المصري بدر محمد، أن محصول قصب السكر يُعد من المحاصيل طويلة الدورة الزراعية، إذ تمتد فترة زراعته ما بين (10) و(12) شهرًا، ما يفرض تحديات مرتبطة بإدارة الموارد المائية، مشيرًا إلى أن اختيار الأراضي الطينية الثقيلة في صعيد مصر أسهم في تحقيق معدلات إنتاجية أعلى مقارنة بالمناطق الجبلية أو ذات التربة الخفيفة، التي تواجه صعوبات تتعلق بسرعة فقدان المياه وارتفاع تكاليف الزراعة.
كما بين صاحب مزرعة بنجر السكر محمود أحمد عبدالله، أن محصول بنجر السكر يُعد من المحاصيل الإستراتيجية الداعمة لصناعة السكر، خاصة في محافظات الدلتا، نظرًا لقصر دورته الزراعية وانخفاض احتياجاته المائية مقارنة بقصب السكر، مشيرًا إلى أن زراعته تناسب أنواعًا مختلفة من التربة، ويتميز بارتفاع نسبة السكر في جذوره، ما يسهم في تعزيز كفاءة استخدام الموارد المائية وتحقيق التوازن داخل منظومة إنتاج السكر.

–واس

بث مباشر SEYAHA FM 102.3 يبث الآن