Skip to main content

(صاروخ) يبتر جزءا من قدم فنان سعودي

» المشاركة على منصات التواصل الإجتماعي :

السعودية 16 ديسمبر (سياحة) – في زمنٍ تُعيد فيه الخوارزميات رسم خريطة الجسد البشري بدقة تفوق عدسة الجرّاح، يطلّ علينا السؤال القديم من جديد: من نحن حين تصبح أجسادنا بيانات؟ وهل ما نراه من تقدّم مذهل يقودنا فقط نحو مستقبل أكثر كفاءة، أم يعيدنا أيضاً إلى زمن كان فيه الطب لغة تأمل، لا مجرد معادلات؟

منذ العصور الأولى، كان الطبيب حكيمًا قبل أن يكون مختصًا، يقرأ في نبض المريض خفقان الحياة والمصير، وفي صمته ألمًا ومعنى. واليوم، حين يعيد الذكاء الاصطناعي صياغة علاقتنا بالمرض والشفاء، يبدو كأنه يستحضر تلك اللحظة الأولى التي التقت فيها المعرفة بالرحمة، والعلم بالإيمان.

من ألواح الطين البابلية إلى خوارزميات السيليكون، أعادت الأبحاث الحديثة قراءة نصوص طبية عمرها آلاف السنين، بما في ذلك وصفات لعلاج ما نعرفه اليوم بـ«تسرع القلب» باستخدام نبات الحرمل، الذي لا يزال يُستعمل حتى اليوم. وكأن الخوارزمية لم تترجم النصوص فحسب، بل فهمتها، وعادت لتعيد للحكمة القديمة حياتها.

في حضارات وادي الرافدين، الطب كان علماً ذا جناحين: الكاهن والطبيب، يعالجان الروح والجسد معًا. واليوم، يُعيد الذكاء الاصطناعي إنتاج هذا المنهج عبر ما يُعرف بـ«التشخيص المزدوج»، حيث يفصل بين العوامل العضوية والنفسية، ويقترح أكثر من احتمال، مع احترامه لدقة المعلومة وأهمية الرحمة.

الألواح الطبية من مكتبة آشور بانيبال كانت سجلات سريرية دقيقة، تحتوي على تشخيصات للأمراض المختلفة وإجراءات جراحية مبسطة، كأنها أول سجلات طبية إلكترونية في التاريخ. واليوم، تستعيد الخوارزميات تلك المعرفة، حرفًا حرفًا، لتعيد للطين صوته ووقاره.

ولكن المدهش ليس التقنية وحدها، بل القيم التي تستعيدها: المسؤولية والشفافية والنية الصافية، كما دوّنها البابليون في قانون حمورابي. واليوم، ونحن نعتمد على الذكاء الاصطناعي في اتخاذ قرارات طبية، يظل السؤال الأخلاقي نفسه: من يتحمل الخطأ؟ المطوّر؟ الطبيب؟ أم النظام؟

في ضوء هذه الرحلة من الماضي إلى المستقبل، تملك المملكة العربية السعودية فرصة فريدة، ضمن «رؤية 2030»، لربط التراث العلمي العربي بالذكاء الاصطناعي، واستعادة النصوص الطبية القديمة من وادي الرافدين ووادي النيل، وإعادة تحليلها بفهم جديد. مشروع كهذا لا يكتب التاريخ فقط، بل يصنعه.

من الطين إلى السيليكون، ومن تعاويذ الشفاء إلى خوارزميات التعلّم، تتجلّى صورة الطب بوصفه علماً إنسانياً، لا يعرف حدود الزمان أو المكان. فالذكاء الاصطناعي اليوم لا يأتي لينافس الطبيب القديم، بل ليحيي رسالته، ويعيد إلى العلم إنسانيته، وإلى الإنسان حريته في أن يفهم، لا أن يُلقَّن

بث مباشر SEYAHA FM 102.3 يبث الآن