
26 فبراير (سياحة) –مع حلول رمضان المبارك، لا يستقبل المغاربة مناسبة دينية وروحية فحسب، بل ينتقلون إلى زمن اجتماعي مغاير، تتبدل فيه ساعات اليقظة والنوم، وتتغير وتيرة الحركة في الشوارع والأحياء والأسواق، ويعاد ترتيب العلاقات الاجتماعية وأولويات الحياة اليومية على إيقاع الصيام.
تتراجع وتيرة الحركة والاستهلاك نهارا لتتصاعد في المساء قبيل ساعة الإفطار، إذ تتحول الأسواق إلى خلايا نحل تتسارع فيها الحركة ولا تخف إلا مع اقتراب أذان صلاة المغرب.
تتحول الأزقة إلى فضاء حميمي تفوح منه روائح تنعش الذاكرة والوجدان، روائح الحريرة وهي الحساء الذي يشكل العنوان الرئيسي للمائدة المغربية، ويحضر إلى جانبها التمر وحلوى “الشباكية” وطبق “سلّو” في استمرارية لطقوس وتقاليد متوارثة عبر الأجيال، مع لمسات عصرية للجيل الجديد من معجنات محشوة وسلطات خضراوات وفواكه ومشاوي وأسماك.
تتجاوز مائدة الإفطار بعدها الأسري كفضاء لتجمع العائلة الصغيرة والكبيرة، لتصبح مساحة تضامن اجتماعي أوسع عبر تنظيم موائد إفطار جماعية في الأحياء الشعبية وحملات توزيع السلال الغذائية على الأسر المحتاجة، وتنظيم موائد إفطار مجانية للعابرين والمعوزين في المقاهي والمطاعم، إلى جانب توزيع صناديق الإفطار على المسافرين في الطرق، وهي كلها ممارسات تعكس حضور البعد التكافلي في الثقافة المغربية.
حيوية الليالي
بعد الإفطار تستعيد المدن حيويتها، فتمتلئ المساجد الكبيرة والصغيرة وساحاتها والشوارع المحيطة بها بالمصلين بملابسهم التقليدية في صلاة التراويح.
ويتخذ المشهد بعدا رمزيا في معالم دينية كبرى مثل مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء ومسجد حسان بالرباط، إذ يصطف آلاف المصلين جنبا إلى جنب في صفوف متراصة وخشوع كبير يعكس وحدة جماعية نادرة.
وبينما تتنافس المساجد على اختيار أفضل القراء وأشجاهم صوتا لأداء صلاة التراويح، يحرص المصلون على التنقل بين المساجد طيلة أيام رمضان للاستمتاع بأصوات أكبر عدد من القراء، ومنهم من يسافر إلى المدن المجاورة للصلاة خلف شيوخهم المفضلين.
تتحول المساجد إلى فضاء للتنافس بين الصغار والكبار وبين الرجال والنساء في مسابقات قرآنية تعكس تمسك المغاربة بحفظ القرآن الكريم وتجويده، فيما تحرص العديد من المساجد على تنظيم أمسيات للتبرع بالدم بعد صلاة التراويح والتي تلقى إقبالا من المصلين الصائمين الراغبين في نيل مزيد من الأجر والثواب.
وتحتفظ القراءة القرآنية في المغرب بخصوصيتها من خلال تقليد الحزب الراتب وهو نظام تلاوة جماعية يومية برواية ورش عن نافع يعود إلى القرن السادس الهجري، لكنه ما زال محفوظا ومستمرا في المساجد يسهم في صون هوية دينية مغربية خاصة ويقوي الانتماء إلى مرجعية روحية مشتركة.










