Skip to main content

إصدارات 2025: إنتاج أكثر وغناء أقل

» المشاركة على منصات التواصل الإجتماعي :

8 أيار – كيف يمكن قراءة إصدارات 2025 والمشهد الموسيقي العربي من خلال توجّهات الجمهور؟ وتحديداً عبر الأغاني الأكثر نجاحاً على منصات الموسيقى خلال العام المنصرم؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ أولاً من مقاربة المشهد من زاوية موسيقية محايدة، تتيح تقديم صورة شاملة ومكثفة في آنٍ، تقوم على مستويَين غير متجانسَين بطبيعتهما: توجهات الجمهور من جهة، والأفق الموسيقي لمخرجات العام من جهة أخرى. مع الأخذ في الاعتبار أن توجهات الجمهور ليست ثابتة، بل تخضع باستمرار للتكرار والاختلاف تبعاً لعوامل متعدّدة ومتداخلة. ورغم أن أدوات تحليل البيانات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تتيح قدراً واسعاً من الإحاطة بهذه العوامل، فإنها، بقدر ما تقلّص هامش المفاجأة، قد تُضعف في المقابل جرأة الابتكار، وتُسهم في إحياء مشهد أكثر نمطية، تُختزل فيه التحولات الموسيقية غالباً في تغييرات شكلية لا نهائية.
يمكن تلخيص إصدارات 2025 في عنوانَين رئيسيَين؛ الأول إنتاج أكثر، والثاني غناء أقل. غير أن الأول يبدو متناقضاً مع الثاني، إذا ما وُضع في سياق صناعة تحكمها القيمة السوقية، حتى وإن جاءت أحياناً على حساب القيمة الفنية. وهو العنوان الذي رسمت ملامحه توجهات الجمهور نفسها، مدفوعة بزخم جماهيري واضح، ونجاح عدد من الإصدارات، ولا سيّما مع عودة أسماء لها ثقل جماهيري. وقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى مساحة واسعة لصناعة محتوى موسيقي بطابعين أساسيين؛ الأول يتبع ما هو رائج (الترند) ويُضفي عليه هالة فنية بهدف إرضاء الذائقة السائدة وجذب جمهور أوسع، والثاني يسير في الاتجاه نفسه، لكن ضمن إطار تحزّبي يدافع عن مغنٍ بعينه. وفي الحالتَين، يتداخل النقدي مع الغائي، ويصعب الفصل بينهما.
تُعيد توجهات الجمهور تعريف نفسها باستمرار تبعاً لمتغيّرات غير مستقرة، إلّا أنها تميل في الآونة الأخيرة إلى ما يمكن تسميته منطقة الراحة. سواء عبر الانجذاب إلى عناصر مألوفة سبق أن أثبتت رواجها، أو من خلال التوافق مع أنماط غنائية سابقة. وهي صورة لا تُنتج تياراً واضح المعالم بقدر ما تُتيح استخلاص خطوط عريضة وعناوين عامة يمكن رصد أبرزها.
في هذا السياق، يبرز انحسار نسبي لغناء الراب، ليس في مصر فحسب، بل في المشهد المغاربي أيضاً، وذلك بعد سنوات من التصاعد، خصوصاً مع مطلع العقد الثالث من الألفية. المفارقة أن الأغنية الأكثر مشاهدة على “يوتيوب” في العام الماضي تنتمي إلى هذا النوع، ما يعكس طبيعة التذبذب في الذائقة أكثر مما يعكس قطيعة تامة معه.
من جهة أخرى، يستمر تراجع غناء المهرجانات، مع استثناء لافت يتمثل في حضور عصام ظاظا، إلّا أن نجاح أغنيته “محكمة ودخلنا على المفرمة” يوحي بعودة الجمهور إلى المهرجانات بعناصرها التقليدية، في مقابل تراجع المهرجانات ذات النزوع التجريبي أو تلك التي استعارت عناصر مستحدثة، كما أن أحد أبرز نجوم هذا اللون، عمر كمال، لا يبدو أنه حقق مبتغاه في أولى تجاربه مع غناء البوب، إذ قدّم نفسه في صورة أقرب إلى نسخة مقلّدة من محمد فؤاد.
لا يقتصر حضور النزعة التقليدية على غناء المهرجانات، بل يتجلى بوصفه أحد أبرز عناوين توجهات الجمهور العربي خلال العام المنقضي. ويظهر ذلك أيضاً في الغناء الشعبي المصري، كما في دويتو “حفلة تنكرية” لرحمة محسن وأحمد العوادي، الذي يستعيد ملامح الغناء الشعبي الخفيف، تلك الظاهرة التي سادت سينما مطلع الألفية.
في موازاة ذلك، تحضر العناصر الشرقية والتقليدية في عدد من الإصدارات البارزة، خصوصاً في أعمال الفنان اللبناني فضل شاكر؛ إذ تتسم أغانيه بنكهة شرقية واضحة تمزج بين روح السبعينيّات والتسعينيّات، مع حضور لافت للآلات الموسيقية الطبيعية ضمن مزاج التخت الشرقي. يبرز هنا الاعتماد على الصوت النقي، الخالي من المؤثرات أو المعالجات الصوتية الثقيلة، بما في ذلك استخدام الطبلة والآلات الشرقية من دون برمجة أو فبركة.
ما حققه فضل شاكر يؤكد وجود رغبة لدى شريحة واسعة من الجمهور في الاستماع إلى الغناء الصافي، غير المشبع بالوسائط الإلكترونية. فقد كان من أنجح الفنانين هذا العام بألبومه الأخير، إذ دخلت سبع من أغانيه قائمة أكثر 100 أغنية مشاهدة على يوتيوب خلال 2025، وهو رقم قياسي، إضافة إلى وجود ثلاث أغانٍ ضمن قائمة العشرين الأكثر مشاهدة، بينها “أحلى رسمة” في المرتبة الثانية. وحقق الألبوم أرقاماً مرتفعة على مختلف المنصات الموسيقية، رغم بساطة أدواته الإنتاجية، وهو ما لا يمكن تعميمه على جميع الفنانين، نظراً إلى عوامل أخرى تتعلق بالنجومية والظروف المحيطة بصدور العمل.
في المقابل، لعب التنافس دوراً محفزاً في تشكيل المشهد، ولا سيّما من خلال الثنائية غير المباشرة بين فضل شاكر وعمرو دياب. فقد حققت أغنية الأخير، “بابا”، أعلى المشاهدات خلال الصيف، لتصل إلى 202 مليون مشاهدة مع نهاية العام. ورغم حداثة أسلوبها، فإنها تنسجم مع الخطوط التقليدية العامة، مستعيرة روح الفولكلور الصعيدي من خلال دمج الربابة والمزمار في قالب حديث.
من زاوية أخرى، تطفو روح الثمانينيّات على سطح المشهد، مع استعادة جزئية لملامحها التقليدية. فاستحضار الحس الصعيدي في أغنية عمرو دياب، على سبيل المثال، يعكس نزعة تنقيب في الفولكلور تشبه ما كان سائداً لدى جيل الثمانينيّات، ولكن بأدوات موسيقية أكثر حداثة، أي مزج بين روح تلك المرحلة وأناقة 2025، بإيقاعات بسيطة وثيمات لحنية مباشرة

حتى إنّ أغنية “الحب جاني” للمغني المقنّع تووليت، وهي من أكثر أغاني العام نجاحاً، تمزج إيقاعياً بين الثمانينيّات والتسعينيّات، فيما يستند لحنها إلى كليشيهات الثمانينيّات، لكن بواجهة صوتية معاصرة.
وهذا مجرد نموذج من أمثلة عديدة؛ فبالعودة إلى أغنية “هالمرة” للعراقي حمزة المحمداوي، إحدى أنجح أغاني العام الماضي، نلاحظ استعارتها ثيمتَين لحنيتَين من أغنية “زينة” لمروان أدهم، العائدة إلى الثمانينيّات، بمطلعها الشهير “طلّت الحلوة وشعرا طاير على خدا”. تبدو الثمانينيّات، إذن، عنواناً بارزاً لما تبقى من هذا العقد، لكنها تحضر في مشهد موسيقي سيّال، تظهر فيه هذه الروح بدرجات متفاوتة، تصاعداً وانكفاءً، وفقاً لموجات الذائقة.لا يعني بروز الغناء النقي تراجع دور المؤثرات كلياً، بل إن اندفاع الجمهور اتخذ شعار “العودة إلى الغناء الأصيل”، مع الاكتفاء غالباً بأفكاره اللحنية الأبسط، بما ينسجم مع ذائقة تميل إلى السهل والمألوف، وإن استعار روح الماضي.
ومع ذلك، تبقى قاعدة شبه ثابتة: الأغاني القديمة ذات الشعبية الواسعة تحظى باستماعات أعلى من الجديدة، بوصفها أرشيفاً أوسع ومرجعاً عاطفياً. وهو ما يرتبط بتغير الذائقة بين الأجيال، إذ يميل كل جيل إلى ما يمثل ذاكرته أو يستعيد به زمناً سابقاً. ويظهر ذلك بوضوح في استمرار تحقيق أرشيف شيرين عبد الوهاب نسب استماع مرتفعة على “سبوتيفاي” و”يوتيوب”، رغم غياب إصدارات جديدة لها هذا العام، متجاوزاً أحياناً أرقام نجوم أصدروا أعمالاً حديثة، مثل عمرو دياب وفضل شاكر.
وأخيراً، يمكن القول إنّ موسيقى اليوم، حتى حين تتنفس أشكالاً جديدة، غالباً ما تتسلل إلى موسيقى الماضي، متكئة عليها، لكن بغناء أقل أو بموسيقى رمزية، في مشهد يعيد تدوير الذاكرة بملامح معاصرة.

بث مباشر SEYAHA FM 102.3 يبث الآن