Skip to main content

فاتن محمد حسين / جودة الحياة الأسرية.. ضرورة إنسانية.. اجتماعية.. وطنية

» المشاركة على منصات التواصل الإجتماعي :

الكاتب



فاتن محمد حسين
16.11.2025

الأُسرةُ هِي النواةُ الأساسيَّة للمجتمع، لذا فإنَّ جودة الحياة الأُسريَّة مرهونٌ بتحقُّق الاستقرار والأمن والسعادة لأفرادها، وأهم مقوِّمات السَّعادة في الأُسرة، العلاقة بين الزَّوجين، التي تقوم على المودَّة والرَّحمة، والتَّفاهم والتَّشارك، والتَّعاون.. أمَّا حينما تتحوَّل إلى مضمار للتَّشاحن، أو التَّنافس، ورغبة كلِّ طرف في السيطرة، بما يؤدِّي إلى صراعات.. حتمًا ستكون مُفضيةً للطَّلاق، وتقويض عشِّ الزوجيَّة، وما يُسبِّبه ذلك من التفكُّك وضياع للأطفال، بل وإصاباتهم ربما بأمراض نفسيَّة وعصبيَّة، أو تعريضهم للالتفاف نحو أصدقاء السوء، وربما التشرُّد، فيُصبحون لقمةً سائغةً لجهاتٍ مشبوهةٍ، أو أفكارٍ هدَّامةٍ.

‏إنَّ السعادة الحقيقيَّة -في نظر علماء النفس- تأتي بتحقيق الإنسان لاحتياجاته الأساسيَّة، حسب (نموذج ماسلو)، التي تقوم أوَّلًا على الاحتياجات الفسيولوجيَّة، منها الطَّعامُ، والشَّرابُ، والنَّومُ، والمَأوَى، والجِماعُ.. ثمَّ تأتي عوامل الاحتياج للأمانِ النفسيِّ، والجسديِّ، والأُسريِّ، والوظيفي.. ثم الاحتياجات الاجتماعيَّة، وهي العلاقات الأُسريَّة والعاطفيَّة والصداقة، ثم الحاجة للتَّقدير، وأخيرًا الحاجة لإثبات الذات من خلال الأنشطة، واستخدام قدراته ومهاراته لتحقيق إنجازات يتفرَّد بها عن غيره.

لذا، فإنَّ دورَ الأُسرة الصَّالحة كبيرٌ في صناعة التنمية المجتمعيَّة الوطنيَّة، فهي البيئة الأُولَى التي تحتضنُ العقولَ المُفكِّرةَ المُبدعةَ، وهي مَن تُحقِّق الإشباعَ النفسيَّ والعاطفيَّ، بل والتوجيهَ القيميَّ والأخلاقيَّ، والتعزيزَ الدينيَّ والرُّوحيَّ المتَّصل بالعقيدةِ، وبناء الشخصيَّة المتزنة التي تُواجه مشكلات الحياة بالإيمان بالله.

‏إنَّ دورَ مجلس شؤون الأُسرة الذي تم تأسيسه في يوليو ٢٠١٦ كبيرٌ، وأهم أهدافه «تعزيز مكانة الأُسرة ودورها في المجتمع، والنهوض بها، والمحافظة على أُسرةٍ قويَّةٍ متماسكةٍ ترعى أبناءها، وتلتزم بالقيمِ الدينيَّة والأخلاقيَّة، والمُثل العُليا». فهل تُحقِّق هذا الهدف؟، وما هِي الخُطط والبرامج التي قدَّمها المجلس لحماية الأُسرة من مشكلات الطَّلاق؟، وماذا قدَّم من دراسات حول أسباب عزوف الشباب والفتيات عن الزَّواج؟، وأخطار ذلك على المجتمع؟، وكيف نعيد للمجتمع توازنه بالاستقرار الأُسريِّ؟ لتحقيق رُؤية ٢٠٣٠م في مجتمعٍ متماسكٍ يمتلك أفراده الثقةَ والطمأنينةَ والاتِّزانَ النفسيَّ، حتى نصل للإبداع في إدارة وتطوير الوطن.. وما هي التشريعات والأنظمة التي وُضِعَت لدعم الأُسرة، ومساعدة الشباب على الزَّواج؟، ووضع أُطر لتنظيم العلاقة الزَّوجيَّة؟، خاصَّةً وأنَّ معظم حالات الطَّلاق حاليًّا تكون في السَّنة الأُولى من الزَّواج!.

كما أنَّ التأخُّر في الزَّواج يعني تأخُّرًا في الإنجاب، والتربية الصحيحة، ووصول المرأة فسيولوجيًّا ونفسيًّا إلى الضعف العام، خاصَّةً بعد انقطاع الدورة الشهريَّة، ووصولها لمرحلة عدم الإنجاب، أو احتماليَّة وجود طفل مُعاق.. وبذلك نُعطِّل سُنَّة الله في الخلق في التَّكاثر والتَّناسل لعمارة الكون.

الزَّواج يُفترض ألَّا يمنع المرأة من أنْ تصنع ذاتها، والرَّجل يبحث عن شريكة حياة تُشاركه الفكرَ والرَّأي، ومجتمعنا فيه خيرةُ الرِّجال الذين صقلهم العلمُ والمعرفةُ والثقافةُ، وأدركُوا أنَّ القوامة لم تعد تسلُّطًا على المرأة، بقدر ما هي تحمُّل لمسؤوليَّات كُبْرى، بل وخدمة وحماية للمرأة.. ولكن بدون غرور المرأة التي تمتلك حقوقًا كثيرةً، حيث فَهِمَ البعضُ «التَّمكين» بصورةٍ خاطئةٍ!، وبلغت نسبةُ الطَّلاق في السعوديَّة صورةً مقلقةً للمجتمعِ.. فبحسب إحصاءات 2025، سجَّلت السعوديَّة أكثرَ من 57.595 حالةَ طلاقٍ خلال النِّصف الأوَّل من العام.

لذا، من الضروري أنْ يقوم مجلس شؤون الأسرة بفرض دورات تدريبية في فن التعامل بين الزوجين، وحقوق وواجبات كل منهما تجاه الآخر، وتجاه الأسرة.. ولا يصدر صك الزَّواج إلَّا بعد الحصول على هذه الدورات.

نقلا عن “المدينة

بث مباشر SEYAHA FM 102.3 يبث الآن