
10 تشرين الأول (سياحة) – تعكس البيوت والقصور الطينية القديمة في منطقة نجران جانبًا من تاريخ العمارة التقليدية في المملكة، بما تحمله من نقوش هندسية وزخارف وألوان مستوحاة من البيئة المحلية، حوّلت جدران المباني ومداخلها إلى عناصر فنية تعبر عن الهوية الثقافية للمنطقة.
وتتنوع الزخارف النجرانية بين الأشكال الهندسية والرموز والمجسمات البارزة، فيما تبرز «الأفاريز» بوصفها خطوطًا وإطارات زخرفية تحيط بالأبواب والنوافذ والمداخل والرفوف، لتمنح الجدران الطينية تفاصيل بصرية مميزة.
وأوضح الخبير المحلي في البناء التقليدي ناصر مبارك الصقور أن الزخارف لم تقتصر على الجانب الجمالي، بل أدت بعض عناصرها وظائف معمارية أيضًا، مشيرًا إلى استخدام الطين الممزوج بالتبن أو بمادة «الأشنان» لتشكيل عناصر مثل «الشراريف»، وهي مثلثات مفرغة تزين أسطح المباني، وتساعد على حماية الجدران من مياه الأمطار، إلى جانب دورها الزخرفي.
وتستمد الألوان التقليدية حضورها من البيئة المحيطة، إذ استخدم البناؤون مواد طبيعية لإنتاج درجات مختلفة، منها الأخضر المستخلص من نبات البرسيم، والأحمر المستمد من الرمان وبعض الصخور الغنية بأكسيد الحديد، والأسود الناتج عن القطران المستخرج من بعض النباتات.
كما أسهم الموقع الجغرافي لنجران ومرور القوافل التجارية وطرق الحج عبرها في تنوع الأصباغ المستخدمة، إذ وصلت إلى أسواقها مواد ملونة من مناطق مختلفة، من بينها النيلة الزرقاء، ما أضاف تنوعًا إلى الألوان التي زينت البيوت التقليدية.
ويُعد المثلث من أبرز العناصر الهندسية في النقوش النجرانية، إذ تتكرر أشكاله وتتداخل لتكوين أنماط منتظمة تمنح الجدران إيقاعًا بصريًا متناسقًا. وتظهر كذلك دوائر مقسمة إلى مثلثات متعددة الألوان، عكست في بعض المنازل تنوع الأصباغ المتاحة ومكانة أصحابها الاجتماعية.
وكانت النساء في نجران، ولا سيما الفتيات الشابات، يؤدين دورًا بارزًا في تنفيذ النقوش الداخلية وتلوينها، ضمن ممارسة فنية تناقلت مهاراتها الأجيال، وارتبطت بالعناية بالمنزل وإبراز جماله، حتى أصبحت جودة الزخارف مظهرًا من مظاهر الاهتمام بالمكان ومكانته لدى أهله.
وتكتسب هذه الزخارف اليوم أهمية تراثية وسياحية، فهي لا تمثل مجرد تفاصيل جمالية، بل تحفظ جانبًا من تاريخ المجتمع النجراني ومعارفه في البناء واستخدام المواد الطبيعية، وتكشف كيف استطاع الإنسان تحويل الطين والألوان المحلية إلى ملامح معمارية متوارثة تعكس هوية المنطقة.










