
31 يناير – حذّرت مؤسسات حقوقية وخيرية في المملكة المتحدة من تصاعد أنماط جديدة من العنف الرقمي، إذ تُستخدم التقنيات الحديثة ــ من الذكاء الاصطناعي إلى الأجهزة القابلة للارتداء ــ كأدوات لاستهداف النساء والأطفال عبر الاستغلال الجنسي والتحريض على إيذاء النفس والسيطرة القسرية والتتبّع الخفي، في مشهد يعكس اتساع رقعة الجرائم الميسّرة تكنولوجياً وعجز الأطر التنظيمية الحالية عن مواجهتها.
وفي موازاة ذلك، كشفت تحقيقات صحافية عن انتشار واسع لإنتاج صور وفيديوهات إباحية مزيفة بالذكاء الاصطناعي عبر منصات مشفّرة مثل تليغرام، ما يشير إلى تحوّل الإساءة الرقمية إلى منظومة صناعية عالمية تتجاوز العلاقات الفردية وتطاول ملايين الضحايا المحتملين.
منظومة عابرة للقارات لاستغلال الأطفال
أصدرت مؤسسة مولي روز (Molly Rose Foundation)، أمس الجمعة، تحذيراً عاماً بشأن شبكة إلكترونية عالمية تُعرف باسم “كوم” (The Com)، أكدت أنها تشكّل أحد أخطر التهديدات للأطفال على الإنترنت حالياً. وتتهم المؤسسة هذه الشبكات بممارسة الاستغلال الجنسي، والتنمر الإلكتروني، والتحريض على إيذاء النفس والانتحار، داعية إلى استجابة دولية منسّقة من الحكومات وأجهزة إنفاذ القانون وشركات التكنولوجيا. ويستند التحذير إلى تقرير أعدّته شركة الاستشارات الرقمية ريسولفر (Resolver)، بالتعاون مع المؤسسة التي أسستها عائلة المراهقة البريطانية مولي راسل التي انتحرت عام 2017 بعد تعرّضها لمحتوى ضار عبر الإنترنت.
ويشير التقرير إلى أن أعضاء “كوم” هم غالباً مراهقون وشباب في أوائل العشرينيات من دول متعددة، بينهم أفراد من الولايات المتحدة وأوروبا، ويتشاركون اهتمامات تتراوح بين المحتوى العنيف والمحتوى الجنسي غير القانوني والألعاب والعملات المشفّرة وثقافة الـ”ميمات” (المحتوى المرئي الساخر). ولا توجد آلية رسمية للانضمام، فيما تتجمع الشبكات على منصات مثل ديسكورد وتليغرام.
وتصف أجهزة إنفاذ القانون نشاط هذه الشبكات بأنه “تطرّف عدمي عنيف” و”استغلال سادي عبر الإنترنت”، فيما يشير التقرير إلى “كوم” باعتبارها منظومة واسعة من الثقافات الفرعية والشبكات والسلوكيات التي تتداخل ضمن بيئة رقمية قائمة على الأذى. ويوثّق التقرير حالات متطرفة، بينها استدراج شخص بالغ يعاني من هشاشة نفسية للسفر إلى دولة أخرى وإضرام النار في نفسه خلال بث مباشر.
كما تُظهر البيانات أن أعضاء الشبكة يستهدفون مجتمعات مرتبطة بإيذاء النفس واضطرابات الأكل، بل ينشئون مجموعات دعم مزيفة لاستدراج الضحايا عبر منصات الألعاب والبث المباشر وتطبيقات الرسائل وشبكات التواصل الاجتماعي. وتشمل الشبكة أيضاً مجموعات مرتبطة بعمليات قرصنة ضد شركات تجزئة كبرى في بريطانيا، فيما حُكم على أحد أعضاء شبكات مرتبطة بـ”كوم” بالسجن تسع سنوات بتهمة حيازة وثيقة إرهابية والتحريض على الانتحار عبر الإنترنت. ووفق التقرير، تُستهدف النساء والفتيات بالعنف الجنسي، بينما يُعرّض الذكور لضغوط نفسية وتحريض على الانتحار، مع تحذيرات رسمية صادرة بالفعل من السلطات في المملكة المتحدة والولايات المتحدة بشأن هذه الشبكات.
ويقدّر التقرير أن معظم أعضاء “كوم” تتراوح أعمارهم بين 11 و25 عاماً، ويشعرون بالعزلة الاجتماعية ويبحثون عن الانتماء، مع تركّز النشاط في الولايات المتحدة وروسيا والبرازيل، حيث قد يتحوّل بعض الضحايا إلى جناة لاحقاً.
ويقسّم التقرير الشبكة إلى ثلاثة أجنحة رئيسية: شبكات سادية تمارس الابتزاز الجنسي واستغلال الأطفال، وشبكات أيديولوجية تروّج لأفكار يمينية متطرفة أو عدمية، وشبكات مالية متخصصة في اختراق الشركات والمؤسسات الكبرى.
العنف الرقمي ضد النساء
بالتوازي، حذّرت مؤسسة ريفيوج (Refuge) المعنية بمناهضة العنف الأسري من تصاعد استخدام التكنولوجيا في السيطرة على النساء وملاحقتهن. وتفيد المؤسسة بأن أعداداً قياسية من النساء اللواتي تعرّضن للإساءة والسيطرة عبر التكنولوجيا أُحِلن إلى خدماتها المتخصصة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2025، بما في ذلك زيادة بنسبة 62% في أكثر الحالات تعقيداً، ليصل العدد إلى 829 امرأة. كما ارتفعت الإحالات للنساء دون سن الثلاثين بنسبة 24%.
وتشمل الأساليب المستخدمة أجهزة قابلة للارتداء مثل الساعات الذكية وخواتم تتبع الصحة لتعقّب الضحايا، والتحكم بأجهزة المنزل الذكي، واستخدام تطبيقات ذكاء اصطناعي لانتحال الهوية والتلاعب بالمحتوى. وتشير المؤسسة إلى حالة ناجية تُدعى مينا، تركت ساعتَها الذكية أثناء فرارها من المعتدي، فاستُخدمت لتعقّب موقعها عبر حسابات سحابية مرتبطة بها لتحديد موقع ملجأ الطوارئ. وبعد تدخل الشرطة، أُعيد الجهاز إليها، ثم حُدّد موقعها لاحقاً عبر محقق خاص استأجره المعتدي، بينما أُبلغت بأن ما حدث لا يشكّل جريمة لأنها “لم تتعرض لأذى مباشر”.
وتحذّر المؤسسة من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتزوير مقاطع فيديو ووثائق رسمية بهدف تشويه سمعة الضحايا أو دفعهم إلى الوقوع في فخاخ قانونية أو اجتماعية، كما تنبه من احتمال إساءة استخدام تقنيات طبية، مثل التحكم بمستويات الإنسولين عبر أجهزة تتبع السكري.
اقتصاد الإباحية المزيفة
كشفت صحيفة ذا غارديان البريطانية، أول من أمس الخميس، أن ملايين الأشخاص حول العالم ينشئون ويتشاركون صوراً وفيديوهات إباحية مزيفة باستخدام الذكاء الاصطناعي عبر تطبيق تليغرام، في موجة عالمية من الإساءة الرقمية ضد النساء. وحدد التحقيق ما لا يقل عن 150 قناة على “تليغرام” تضم مستخدمين من دول متعددة، من المملكة المتحدة إلى البرازيل والصين ونيجيريا وروسيا والهند، حيث يمكن للمستخدمين تحميل صورة لأي امرأة ليقوم الذكاء الاصطناعي بإنتاج فيديوهات أو صور لها في أوضاع جنسية. وتوفر بعض القنوات هذا المحتوى مقابل رسوم مالية، بينما تنشر أخرى صوراً لنساء عاديات ومشاهير ومؤثرات. وأظهر التحقيق وجود شبكات تستهدف مستخدمين في نيجيريا، وتشارك محتوى مزيفاً إلى جانب صور حميمة مسروقة، فيما تُستخدم القنوات لتبادل نصائح حول أدوات التزييف العميق (Deepfake) وكيفية تجاوز القيود التقنية.
وأكدت “تليغرام”، للصحيفة البريطانية، أن المواد الإباحية المزيفة محظورة وفق شروط الخدمة، وأن المحتوى المخالف يُزال عند اكتشافه، مشيرة إلى حذف أكثر من 952 ألف مادة مخالفة عام 2025. كما أعلنت شركات مثل “آبل” و”غوغل” حذف عدد من تطبيقات توليد الصور العارية بعد تحقيقات مستقلة كشفت انتشار عشرات التطبيقات التي حصدت مئات ملايين التنزيلات.
وأشارت تقارير إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي ساهمت في تصاعد العنف الرقمي ضد النساء، مع نقص واسع في الأطر القانونية لحماية الضحايا، إذ تقل نسبة الدول التي تمتلك قوانين لحماية النساء من التحرش الرقمي أو الملاحقة الإلكترونية عن 40%، وفق بيانات البنك الدولي، بينما تقدّر الأمم المتحدة أن 1.8 مليار امرأة وفتاة لا يتمتعن بحماية قانونية من الإساءة الرقمية.
وأكد خبراء أن قنوات “تليغرام” تشكّل جزءاً من منظومة أوسع لتداول الصور الحميمية غير الرضائية، وأن تداول هذا المحتوى والتفاخر به يعكس نزعات كراهية النساء ومحاولات لإسكاتهن أو معاقبتهن اجتماعياً. وتشير شهادات قانونيين وناشطات إلى أن العواقب الواقعية لهذه الإساءة تشمل فقدان الوظائف والعزلة الاجتماعية والأضرار النفسية، مع حالات لنساء تعرضن للنبذ الأسري أو التحقيقات المهنية بسبب صور مزيفة جرى تداولها من دون علمهن.
–العربي الجديد










