التحنيط والتجميد
يمكن لعمليات التحنيط والتجميد، وحتى التصبن (حيث يتحول دهن الجسم إلى مادة دهنية تُسمى شمع القبور)، أن تحفظ الأنسجة الرخوة، أحياناً لآلاف السنين.
عادةً ما تحافظ هذه العمليات على بنية أجزاء متعددة من الجسم، بما يشمل الأعضاء الداخلية والجلد. ولكن الغريب أن حوالي ثلث الأدمغة الأثرية المستخرجة لا تتوافق مع هذا النموذج، حيث تكون كتلة البروتين المنكمشة هي النسيج الوحيد المتبقي بين مجموعة من العظام.
أدمغة غير مفسرة
عُثر على معظم هذه الأدمغة غير المفسرة في أرض مشبعة بالمياه وفقيرة بالأكسجين (منخفضة التأكسج) – من مجاري الأنهار وشواطئ البحيرات، إلى الكهوف المغمورة وحطام السفن الغارقة.
قالت سيفيور إن “الماء، باعتباره المذيب الطبيعي، يرتبط عادةً بالتحلل لا بالحفظ. لذا، تكمن المفاجأة في الانتقائية”.
بعبارة أخرى: لماذا يبقى الدماغ وحده في ظل هذه الظروف؟
بيئة الدفن
افترض فريق سيفيور البحثي أن بيئة الدفن هذه، بالإضافة إلى بنية الدماغ الفريدة وتركيبه الكيميائي، تُحوّل مسار التحلل الطبيعي بعيداً عن التحلل الكامل، وتُثبت بروتينات الدماغ عبر تسلسل كيميائي مختلف.
ولاختبار هذه النظرية، دفنوا جثث فئران في أربع بيئات مختلفة من الماء والأكسجين، وقيموا مسارات تحللها على مدى ستة أشهر.
وأوضحت سيفيور أنه “بعد 24 ساعة، و72 ساعة، وأسبوع، وستة أسابيع، وثلاثة أشهر، وستة أشهر، تم تشريح الأدمغة وتحليلها باستخدام مطياف الكتلة عالي الدقة لمعرفة البروتينات المتبقية وحالتها بدقة.
وجرى البحث عن الببتيدات المحددة التي نجت وتلك التي اختفت، والآثار الكيميائية المتبقية على الجثث الناجية”.
مستويات الأكسجين
بشكل عام، أسفر تحليلهم عن أكثر من 1.26 مليون مسار لتحلل البروتين، مما مكن فريق الباحثين من استخلاص أنماط حول كيفية ووقت تباين التفاعلات الكيميائية في ظل الظروف المختلفة.
أظهر التحليل الأولي أن الخطوات الأولى للتحلل كانت متشابهة إلى حد كبير، ولكن بعد بضعة أسابيع، أصبحت مستويات الأكسجين هي العامل الحاسم، حيث يؤدي ارتفاع مستوى الأكسجين إلى تحلل أسرع وأكثر انتشاراً.
في المقابل، فضلت الظروف الرطبة منخفضة الأكسجين تكوين هياكل بروتينية أكثر صلابة، والتي قاومت المزيد من التحلل وحافظت على أنسجة المخ المتبقية.
الجذور الحرة
يكمن الحل في الجذور الحرة – وهي جزيئات شديدة التفاعل تحتوي على إلكترون واحد غير مزدوج.
تقول سيفيور إن وفرة الأكسجين تُحفز سلسلة من التفاعلات الكيميائية للجذور الحرة في بروتينات الدماغ، مما يؤدي إلى تحلل سريع لبنية البروتين بأكملها.
ولكن في ظروف نقص الأكسجين، لا يوجد ببساطة ما يكفي من الأكسجين لحدوث هذه السلسلة نفسها؛ بدلاً من ذلك، تُشكل المركبات الوسيطة في السلسلة روابط متقاطعة مع أجزاء أخرى مجاورة من بروتين الدماغ، مما يُكون تجمعات صلبة وغير قابلة للذوبان تقاوم التحلل.
وأضافت سيفيور أن أنسجة الدماغ مُهيأة بشكل خاص لهذا المسار الموضعي والمحدود ذاتياً، لأنها غنية بالمعادن التي تُعزز تفاعلات الجذور الحرة، ومليئة بالأغشية التي تتراكم فيها هذه الجذور، وتحتوي على العديد من الأحماض الأمينية “النشطة في تفاعلات الأكسدة والاختزال” التي يمكنها امتصاص الجذور الحرة لتكوين روابط متقاطعة.
وأشار الباحثون إلى أن الحاجز المادي للجمجمة يلعب دوراً أيضاً، حيث يُقيد تبادل السوائل والأكسجين مقارنةً ببقية الجسم.