Skip to main content

البرج الثامن… قلعة دمشق تستعيد أحد أضلعها

» المشاركة على منصات التواصل الإجتماعي :

السعودية31 يناير –يمثّل البرج الثامن في قلعة دمشق أحد أبرز معالم التراث السوري، وحلقة بارزة في سلسلة الأبراج التي تشكل القلعة العريقة. تعود جذور القلعة إلى العصور الرومانية، وازدهرت خلال العهدين الأيوبي والمملوكي، لتصبح على مر العصور رمزاً للقوة والحضارة في دمشق وبلاد الشام.

ورغم مرور قرون من الزمن، حافظ البرج الثامن على هيبته التاريخية، إلا أن التدهور الذي أصابه خلال العقود الماضية كان واضحاً، ما استدعى تدخلات عاجلة للحفاظ عليه وضمان استمراره رمزاً للهوية الثقافية السورية. قبل الترميم، كان البرج يعاني شروخاً وتساقط أجزاء من الحجر الخارجي، وتآكلاً في بعض الأساسات نتيجة عوامل التعرية والتقادم، إضافة إلى تأثير الحوادث الإنسانية التي مرت بها القلعة. وأكد خبراء الآثار أن استمرار هذا التدهور كان سيؤدي إلى فقدان جزء كبير من الطابع التاريخي للبرج، وتهديد سلامة القلعة.

جاءت أعمال الترميم بالتعاون بين وزارة الثقافة السورية وشركاء دوليين وبلدان صديقة، إضافة إلى منظمات مجتمع مدني متخصصة، إذ أشرفت على المشروع منظمة (COSV) الإيطالية بتمويل الاتحاد الأوروبي.

ركزت عمليات الترميم على إعادة المظهر الأصلي للبرج وفق المعايير الدولية، مع الحفاظ على المواد الأصلية قدر الإمكان واستخدام تقنيات حديثة لضمان الاستقرار البنائي، ليعكس البرج بعد ترميمه قيمته التاريخية والثقافية ويصون هويته المعمارية الأصيلة.

في هذا السياق، أكد وزير الثقافة السوري محمد ياسين صالح لـ”العربي الجديد”، أن “البرج الثامن ليس مجرد حجر وجدار، إنه قصة دمشق عبر العصور، وهو رمز للذاكرة السورية وللصمود أمام كل محاولات طمس الهوية. نحن لا نعيد بناء برج فقط، بل نستعيد مكاناً تاريخياً له معنى عميق في وجدان كل سوري. هذا المكان يعكس القوة والحضارة، ويذكرنا دوماً بأهمية الحفاظ على تراثنا الثقافي”.

أضاف: “البرج الثامن سيكون بيت التراث السوري، وسنستخدمه لإحياء الحرف اليدوية التقليدية، ودعم الشباب والحرفيين، وتعزيز الوعي المجتمعي، ورفع الذائقة الجمالية. نحن نعمل على أن يكون هذا المكان منصة للتواصل بين المواطنين وتراثهم. كل حجر هنا يحمل حكاية، وكل قوس في البناء يحكي عن عراقة دمشق ومكانتها عبر الزمن”.

تابع صالح: “التراث السوري ليس مجرد تاريخ محفوظ في كتب أو صور، بل هو هوية حيّة تتطلب العمل المستمر للحفاظ عليها وإحيائها. البرج الثامن يمثل فرصة لتذكير الجميع بأن الحفاظ على التراث يعني الاستثمار في الثقافة، في التعليم، وفي الوعي المجتمعي، كما يعني حماية مستقبلنا وإرثنا من الضياع. نحن فخورون بهذا الإنجاز الذي جاء نتيجة تعاون محلي ودولي، ليكون نموذجاً على ما يمكن تحقيقه عندما يجتمع الاهتمام بالتاريخ مع الرغبة في الابتكار الثقافي”.

بدورها، أوضحت مديرة قلعة دمشق، عهد دياب، أن اختيار البرج الثامن يأتي ضمن المخطط التوجيهي الهادف إلى تحويل القلعة إلى مجمّع ثقافي تراثي مستدام، مشيرة في تصريحات لـ”العربي الجديد” إلى أن “البرج الثامن يمثل جزءاً لا يتجزّأ من القلعة، وهو من أهم مواقعها التي تحمل بصمة كل مرحلة من مراحل التاريخ السوري، من الرومان مروراً بالأيوبيين والمماليك وحتى العصر الحديث.

لم يقتصر الترميم على استعادة الجدران والحجارة فقط، بل شمل إعادة دراسة تفاصيل العمارة الداخلية والخارجية للبرج، بما يعكس دوره التاريخي والثقافي، مع مراعاة سلامة البنية وتحويله إلى مساحة قادرة على خدمة الجمهور والمجتمع الثقافي”.

صُمم البرج بعد ترميمه ليكون مركزاً يُعرف باسم بيت التراث السوري، إذ يمكن للمواطنين والزوار التعرف إلى تاريخ القلعة والحرف التقليدية، والاستفادة من برامج تعليمية وتثقيفية تهدف إلى تعزيز الوعي بالتراث الثقافي.

يشير خبراء التراث إلى أن أهمية البرج لا تقتصر على كونه معلماً تاريخياً، بل تتجاوز ذلك لتصبح مسألة تربط بين الهوية الثقافية والذاكرة الجماعية، فالبرج يمثل قوة المدينة واستمراريتها، ويجسد القدرة على صون التاريخ ونقله إلى الأجيال المقبلة.

أتاح الترميم للبرج الثامن أن يصبح مساحة متاحة أمام المواطنين بعد سنوات طويلة من الإغلاق، ما يعزز التفاعل بين الجمهور والتراث، ويسهم في بناء جسور ثقافية جديدة. يؤكد المسؤولون أن المشروع لم يكن مجرد إعادة بناء، بل إعادة إحياء جزء من تاريخ العاصمة السورية، وإعادة تعريف القلعة مكاناً للحياة الثقافية، وليس مجرد معلم تاريخي جامد.

البرج الثامن بعد الترميم أصبح نموذجاً حيّاً للتعاون الدولي والمحلي في خدمة التراث السوري، ليشكل منصة لتعزيز النشاط الثقافي والحرفي، مع التركيز على الشباب والمجتمع المحلي. ويعكس المشروع الرغبة في الحفاظ على الهوية الثقافية السورية في مواجهة التحديات، ويؤكد أن الإرث التاريخي يمكن أن يكون قوة فاعلة في تعزيز الانتماء الوطني والوعي الاجتماعي.

اليوم، ليس البرج الثامن مجرد بناء حجري، بل رسالة تاريخية وثقافية تحمل بين جدرانها قصص دمشق عبر العصور، من الرومان إلى المماليك، مروراً بالعصور الحديثة، وهي قصص تؤكد قدرة سورية على صون تراثها، وإعادة الحياة لمواقعها التاريخية بما يخدم المجتمع ويعزز الوعي الثقافي.

–العربي الجديد
بث مباشر SEYAHA FM 102.3 يبث الآن