
14 أيلول (سياحة) – يحتفظ البحر الأحمر في أعماقه بشواهد أثرية تعود إلى فترات تاريخية مختلفة، من بينها بقايا حطام سفن ومواقع ومقتنيات استقرت تحت المياه لمئات السنين، لتكشف جانبًا من تاريخ الملاحة والتجارة البحرية وحركة الحجاج والمسافرين، وتعكس طبيعة التواصل الحضاري الذي شهدته المنطقة عبر العصور.
ويشمل مفهوم التراث الثقافي المغمور بالمياه المواقع والآثار المرتبطة بالوجود الإنساني، التي ظلت مغمورة كليًا أو جزئيًا لمدة لا تقل عن 100 عام، ومن أبرزها حطام السفن ومحتوياتها والمنشآت واللقى الأثرية. وتولي المملكة اهتمامًا بهذا النوع من التراث، إذ انضمت إلى اتفاقية اليونسكو لعام 2001 بشأن حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه، وأودعت وثيقة التصديق عليها عام 2015م.
وتعود إحدى المحطات المهمة في تطور علم الآثار تحت الماء إلى اكتشاف حطام سفينة «أنتيكيثيرا» قبالة السواحل اليونانية عام 1900م، عندما عثر عليها غواصو الإسفنج، قبل أن تبدأ عمليات استكشاف وانتشال محتوياتها خلال عامي 1900 و1901م بمشاركة الغواصين والبحرية الملكية اليونانية، لتسهم تلك العملية في إظهار القيمة العلمية والتاريخية للمواقع الأثرية الموجودة تحت سطح البحر.
وفي المملكة، شهدت السواحل خلال السنوات الماضية أعمالًا متخصصة للكشف عن مواقع التراث المغمور بالمياه، من بينها مشروع مسح أثري بدأ عام 2012م على الساحل الممتد بين رابغ والشعيبة، بالتعاون بين الجهة المسؤولة عن الآثار آنذاك وجامعة فيليبس ماربورغ الألمانية، وأسفرت المواسم اللاحقة عن رصد بقايا حطام سفن تعود إلى فترات تاريخية متعددة، بينها حطام يرتبط بالعصر الروماني وآخر بالفترة الإسلامية المبكرة.
كما شهد عام 2015 و2016م تنفيذ أعمال مسح أثري مشتركة مع فريق إيطالي من جامعة نابولي الشرقية في موقع حطام سفينة أملج، قبل أن تتوسع أعمال هيئة التراث في مجال دراسة المواقع المغمورة، ومن أبرزها مشروع مسح المنطقة الممتدة بين أملج ورأس الشيخ حميد عام 2022م، الذي استهدف مساحة بلغت نحو 400 كيلومتر مربع، وأسفر عن رصد وتوثيق أكثر من 25 موقعًا.
وتعتمد أعمال البحث والتنقيب تحت الماء على مجموعة من التقنيات الحديثة، تشمل استخدام السونار البحري لرصد المعالم والمواقع المغمورة وإعداد الخرائط، إلى جانب أنظمة تحديد المواقع والتصوير عالي الدقة، وإنتاج خرائط موزاييك للمواقع.
وتشمل الدراسات كذلك أعمال الرفع المساحي والتصوير بتقنية «الفوتوجرامتري» لإنتاج نماذج ثلاثية الأبعاد للمواقع الأثرية، فضلًا عن التنقيب المباشر ودراسة المكتشفات وأخذ العينات العلمية عند الحاجة، بما يساعد على تحليل المواقع مع الحفاظ على سياقها الأثري والحد من تعرضها للمخاطر.
وتواصل هيئة التراث أعمال المسح والتوثيق والدراسة والحماية لمواقع التراث الثقافي المغمور بالمياه، بالتعاون مع الجامعات والمراكز العلمية والجهات المتخصصة محليًا ودوليًا، إلى جانب تطوير القدرات الوطنية في مجال الغوص الأثري وتوظيف التقنيات الحديثة في أعمال البحث والتوثيق.
وتسهم هذه الجهود في توسيع المعرفة بتاريخ المملكة البحري، والكشف عن شواهد توثق صلاتها التجارية والحضارية عبر البحر الأحمر، وتعزيز الوعي بقيمة المواقع المغمورة بالمياه باعتبارها جزءًا أصيلًا من التراث الثقافي الوطني وسجلًا تاريخيًا يحفظ جوانب من حركة الإنسان والتبادل الحضاري عبر العصور.










